سوريـــا: الأكراد في الجمهورية العربية السورية بعد مرور عام على أحداث مارس/ آذار 2004

1. مقدمـة
شهد تاريخ الأكراد في سوريا منعطفاً عنيفاً في مارس/ آذار 2004. ففي 12 مارس/ آذار تصاعد التوتر بصورة مثيرة بين مشجعي فريقين متنافسين، عربي وكردي، خلال مباراة كرة قدم في القامشلي بشمال شرق سوريا. وردَّت قوات الأمن بإطلاق الرصاص الحي على الجمهور، وذُكر أن النار أُطلقت على الجمهور الكردي، مما أسفر عن مقتل عدة أشخاص. وفي اليوم التالي أطلقت قوات الأمن النار على موكب جنائزي ومظاهرة، مما تسبب في سقوط عدد من القتلى والجرحى بحسب ما ورد. وأعقب ذلك يومان من مظاهرات الاحتجاج وأعمال الشغب في القامشلي وغيرها من البلدات في الشمال والشمال الشرقي من البلاد، منها القحطانية والمالكية وعمودا. وقد تم تخريب عدد من المباني المملوكة للدولة والمباني الخاصة أو إضرام النار فيها. وهوجم مركز للشرطة في عمودا، حيث أُصيب شرطي بجراح قاتلة جراء قذفه بالحجارة. ولدى منظمة العفو الدولية قائمة بأسماء ما لا يقل عن 36 قتيلاً، جميعهم تقريباً من الأكراد، يُعتقد أنهم قُتلوا على أيدي قوات الأمن. كما أصيب ما يربو على 100 شخص آخر بجراح. ويُعتقد أنه قُبض عقب الأحداث على أكثر من 2,000 شخص، جميعهم تقريباً من الأكراد. واعتُقل معظمهم بمعزل عن العالم الخارجي في أماكن مجهولة، وشاعت أنباء عن تعذيب وإساءة معاملة المعتقلين، وبينهم أطفال ونساء ومسنون. وفي مطلع العام 2005 بقي نحو 200 كردي رهن الاعتقال، وأُحيل 15 شخصاً منهم إلى المحاكمة أمام محكمة أمن الدولة العليا، التي تقصر إجراءاتها كثيراً عن الوفاء بالمعايير الدولية للمحاكمات العادلة. كما طُرد عشرات من الطلبة الأكراد من جامعاتهم وأماكن سكنهم، بينهم ما لا يقل عن 11 طالباً فصلوا من جامعة دمشق في 18 مارس/ آذار 2004، بسبب مشاركتهم في مظاهرات احتجاج سلمية بحسب ما ورد. ولا يُعرف ما إذا أُجري أي تحقيق رسمي في كيفية تصاعد التوتر أو في استخدام القوة المميتة من قبل قوات الأمن، أو في عمليات الاعتقال الجماعية وحوادث التعذيب وسوء المعاملة التي أعقبتها أو في أي أسباب جذرية محتملة لتلك الأحداث.
ما برح الأكراد في سوريا، شأنهم شأن غيرهم من السوريين، يتعرضون لانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. ولكنهم، كجماعة، يعانون من التمييز على أساس الهوية، بما في ذلك القيود المفروضة على استخدام اللغة الكردية والثقافة الكردية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن قسماً كبيراً من الأكراد السوريين بلا جنسية فعلياً، وهم بهذه الصفة محرومون من الحصول بشكل كامل على حقوقهم في التعليم والعمل والصحة وغيرها من الحقوق التي يتمتع بها المواطنون السوريون، فضلاً عن حرمانهم من الحق في الحصول على جنسية وجواز سفر. كما أن المدافعين عن حقوق الإنسان الأكراد الذين يثيرون مثل هذه القضايا أو يضطلعون بأنشطة سلمية في مجال حقوق الإنسان، يتعرضون بشكل خاص لخطر الاعتقال والحبس بتهم محددة غالباً ما تُستخدم ضد الأكراد بالذات، على حد علم منظمة العفو الدولية، من قبيل الانخراط في خلايا تسعى إلى إضفاف الشعور القومي وإثارة الصراع الطائفي و العنصري، ومحاولة فصل جزء من الأراضي السورية وضمه إلى دولة أجنبية. إن مثل هذه التهم، فضلاً عن تهمة الانتماء إلى منظمة غير مشروعة، والتي غالباً ما تستخدم ضد المدافعين عن حقوق الإنسان من غير الأكراد أيضاً، تؤدي إلى إجراء محاكمات جائرة أمام محكمة أمن الدولة العليا أو المحاكم العسكرية. أما تهمة الاعتداء الذي يهدف إلى إثارة حرب أهلية واقتتال طائفي وتحريض على القتل، فإن الحد الأقصى للحكم على المتهم بها هو عقوبة الإعدام.

ويتضمن هذا التقرير توثيقاً لمجموعة من انتهاكات حقوق الإنسان التي تعرض لها الأكراد في حالات وحوادث محددة في سوريا على مدى العامين المنصرمين. ويتناول الفصل 2 من التقرير بإيجاز السياق القانوني الذي تُرتكب فيه مثل هذه الانتهاكات عموماً في البلاد، ويقدم لمحة عامة عن القيود التي تُفرض على الأكراد السورين على أساس الهوية، وعن التدابير التمييزية التي تؤثر تحديداً على الأكراد بلا جنسية. ويوضح الفصل 3 دورة انتهاكات حقوق الإنسان من خلال طرح حالات عدد من المدافعين عن حقوق الإنسان من الأكراد، الذين حاولوا تعزيز حقوق السكان الأكراد في سوريا. ويركز الفصل 4 على الحالات التي لم يجر فيها التحقيق والمتعلقة بعمليات القتل غير القانونية المزعومة للأكراد وبالوفيات المزعومة الناجمة عن التعذيب وإساءة المعاملة في الحجز، التي وقعت منذ مارس/ آذار 2004. ويبين الفصل 5 أنماط التعذيب وسوء المعاملة ضد المعتقلين الأكراد، ومنهم الأطفال الذين احتجزوا في أعقاب حوادث مارس/ آذار 2004. ويتضمن التقرير توصيات إلى السلطات السورية تتعلق بانتهاكات محددة لحقوق الإنسان وبالتزامات سوريا بموجب المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان التي أصبحت سوريا دولة طرفاً فيها.

2. خلفيـة
أ) أوضاع حقوق الإنسان
قامت منظمة العفو الدولية وغيرها من المنظمات بتوثيق انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في سوريا على مر السنين.1 وتشمل بواعث القلق المتعلقة بحقوق الإنسان في سوريا ما يلي: الاعتقال التعسفي للأشخاص وحبسهم لا لشيء إلا بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم الإنسانية الأساسية؛ وحالات "الاختفاء"؛ والاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي مدداً طويلة؛ تفشي استخدام التعذيب وإساءة المعاملة في الحجز؛ المحاكمات الجائرة؛ إفلات أفراد قوات الأمن المشتبه في ارتكابهم انتهاكات لحقوق الإنسان من العقاب؛ القيود المشددة على حرية التعبير والاشتراك في الجمعيات؛ مضايقة المدافعين عن حقوق الإنسان؛ وفرض عقوبة الاعدام.
ولايزال القلق يساور منظمة العفو الدولية حيال استمرار فرض قانون حالة الطوارئ في سوريا. ويصادف 8 مارس/ آذار 2005 الذكرى الثانية والأربعين لإعلان قانون الطوارئ، الذي اتسعت مجموعة أحكامه على مر السنين ونتج عنه اعتقال الآف المعارضين السياسيين المشتبه بهم وتعذيبهم واحتجازهم بمعزل عن العالم الخارجي من دون تهمة أو محاكمة، وإدانة آخرين والحكم عليهم بالسجن مدداً طويلة بعد محاكمات جائرة للغاية أمام محكمة أمن الدولة العليا أو المحاكم العسكرية، بما فيها المحاكم العسكرية الميدانية.
إن المحاكمات أمام محكمة أمن الدولة العليا التي أُنشأت بموجب قوانين الطوارئ للعام 1968، وكانت مهمتها الوحيدة هي التعامل مع القضايا السياسية وقضايا أمن الدولة، لا تفي بالمعايير الدولية للمحاكمات العادلة من حيث عدم قابلية أحكامها للاستئناف؛ وفرض قيود على إمكانية اتصال المتهمين بمحامييهم؛ ومنح سلطات تقديرية واسعة للقضاة. كما مُنحت المحاكم العسكرية سلطات استثنائية بموجب قانون حالة الطوارئ، بما في ذلك صلاحية الاستماع إلى الدعاوى المرفوعة ضد المدنيين وذلك بموجب المرسوم رقم 46 للعام 1966. ويبدو أن هذه المحاكم لا تتمتع بالاستقلال والحيدة ولا تحترم حق المتهم في حضور محاكمته وتقديم دفاعه، سواء بمساعدة ممثل قانوني أو من دونها. وقد تشمل جلسات المحاكمة أمام المحاكم العسكرية الميدانية، والتي يجوز لها الاستماع إلى دعاوى ضد المدنيين، على جلسة استماع واحدة أو اثنتين، وتنعقد داخل السجن في العديد من الحالات، حيث يبدو أنه لا يسع المتهمين سوى الإقرار بذنبهم أو عدمه فيما يتعلق بالتهم الموجهة إليهم. وفي حالات أخرى، ورد أن المتهمين أُبلغوا بالأحكام الصادرة بحقهم من دون أن يُطلب منهم حتى حضور أي جلسة استماع.

ب) القيود المفروضة على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للأكراد
يعتبر الأكراد ثاني أكبر جماعة عرقية في سوريا. فالعرب يشكلون نحو 90% من مجموع السكان الذي يبلغ زهاء 20 مليون نسمة، بينما يصل عدد الأكراد إلى 2-1.5 مليون نسمة، أو قرابة 10% من مجموع السكان، وتشكل الأقليات الأخرى نحو 1%. وتتركز أغلبية الأكراد في المناطق المحيطة بحلب في شمال البلاد، وفي منطقة الجزيرة في الشمال الشرقي. وتعتبر هذه المناطق، التي تقطنها أغلبية كردية، متخلفة عن بقية أنحاء البلاد من حيث المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية. وتتفاقم هذه الأوضاع من جراء التمييز المباشر وغير المباشر الذي يمارس ضد السكان الأكراد.
في العام 1962 بدأت الحكومة السورية تنفيذ سياسة "تعريب" المناطق المأهولة بالأكراد، حيث نُقل زهاء 100,000 كردي قسراً من نحو 300 قرية وحل محلهم عرب، بهدف استراتيجي يتمثل في خلق "حزام عربي" بين الأكراد السوريين والسكان الأكراد في تركيا والعراق. كما أُعيدت تسمية عشرات القرى والبلدات التي كانت تحمل أسماء كردية وأُطلقت عليها أسماء عربية.2
القيود المفروضة على استخدام اللغة الكردية
إن اللغة الكردية غير معترف بها كلغة رسمية في سوريا، ولا يتم تدريسها في المدارس. وظل نشر المواد باللغة الكردية ممنوعاً منذ العام 1958. وفي العام 1987، ورد أن وزير الثقافة عمد إلى توسيع نطاق الحظر ليشمل الأشرطة السمعية والبصرية (الفيديو) للموسيقى الكردية استماعاً وتوزيعاً. ووفقاً لبعض المصادر، فقد أُعيد التأكيد على حظر تدريس اللغة الكردية في المدارس والجامعات بموجب مرسوم سري صدر في العام 1989، وحظر كذلك استخدام اللغة الكردية في جميع المؤسسات الرسمية.3 وثمة أنباء غير مؤكدة تفيد بأن السلطات رفعت الحد الأقصى للحكم على الطباعة باللغة الكردية، إلى جانب تدريسها، إلى السجن مدة خمس سنوات.
كما ترد أنباء عن حظر استخدام اللغة الكردية في الاحتفالات الخاصة وفي أماكن العمل.4
بيد أنه في الممارسة العملية، سُمح بتوزيع عدد قليل من المواد باللغة الكردية على ما يبدو. وورد أنه في العام 2004 سُمح رسمياً بنشر قاموس عربي- كرمانجي (وهي اللهجة الكردية التي يتحدث بها الأكراد "الشماليون" بمن فيهم السوريون). كما يبدو أن الحظر على استخدام اللغة والمواد الكردية يُطبق بشكل فضفاض. وعلى الرغم من ذلك، فإنه في الوقت الذي يُسمح فيه لأبناء الأقليات الأخرى في سوريا، ومنهم الأرمن والشركس والآشوريون واليهود، بفتح مدارس خاصة، فإن الأكراد محرومون من ذلك. وفي محافظة الحسكة التي يقطنها عدد كبير من الأكراد، يُحظر على الشركات استخدام أسماء كردية.5 وعلى العكس من ذلك، فإنه يُسمح للشركات باستخدام أسماء باللغتين الأرمنية والعربية، أو الروسية والعربية، ويبدو أنه ليس ثمة قيود قانونية على استخدام اللغات الأخرى أو على نشر مواد بلغات أخرى. وفي العام 1992 حظر وزير الداخلية تسجيل الأطفال الذين يحملون أسماء "غير عربية" في محافظة الحسكة.6 وقد قُبض على عشرات الأكراد في السنوات الأخيرة بسبب مشاركتهم في احتفالات النوروز، وهو عيد رأس السنة الكردية.7
وما انفكت هيئات الأمم المتحدة، ومنها لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تعرب عن قلقها بشأن التمييز ضد الأكراد. وقد قدمت توصيات شديدة اللهجة إلى السلطات السورية بضرورة "اتخاذ تدابير فعالة لمكافحة التمييز في الممارسة العملية ضد الأقليات، ولا سيما الأكراد. وينبغي أن تهدف هذه التدابير بشكل خاص إلى تحسين عملية تسجيل الولادات والالتحاق بالمدارس، والسماح للأكراد باستخدام لغتهم وغيرها من أشكال التعبير عن ثقافتهم".8

الأكراد بلا جنسية
على الرغم من عدم وجود سجلات رسمية موثوق بها في هذا الشأن، فإن عدد الأكراد السوريين الذين لا يحق لهم الحصول على الجنسية السورية يُقدر بنحو 360,000-200,000 شخص، ولذا فهم محرومون من الحقوق التي يتمتع بها المواطنون السوريون. ومنذ العام 1962 جرى تصنيف هؤلاء الأكراد الذين لا يحملون جنسية إلى فئتين: أجانب ومكتومين (أي غير مسجلين)، وهم الذين يتمتعون بحقوق أقل حتى من حقوق الأجانب. ونتيجةً للقانون رقم 93 لعام 1962 والتعداد السكاني الذي رافقه في محافظة الحسكة، فقد جُرد زهاء 120,000 كردي من جنسيتهم السورية أو حُرموا من حق المطالبة بها إذا لم يستطيعوا إثبات أنهم كانوا يعيشون في سوريا منذ العام 1945 أو قبل ذلك.9 ووردت أنباء عديدة عن تنفيذ التعداد السكاني بشكل تعسفي. ولا يتم إصدار جوازات سفر أو غيرها من وثائق السفر لهؤلاء الأكراد الذين لا يحملون جنسية، ولذا لا يجوز لهم قانونياً مغادرة سوريا أو العودة إليها. كما أنهم لا يملكون الوثائق اللازمة التي تكفل لهم المعالجة في مستشفيات الدولة. ولا يسمح لهم بالتصويت أو الترشح للمناصب الرسمية. وهم ممنوعون من امتلاك منـزل أو أرض أو شركة، ومحرومون من العمل كمحاميين أو صحفيين أو مهندسين أو أطباء أو مزاولة أي مهنة أخرى تتطلب أن يكونوا أعضاء في النقابة المهنية المعنية- ومن الجدير بالذكر أن عضوية النقابة المهنية لا تُمنح للأكراد بلا جنسية. كما أنهم محرومون من العمل في القطاع العام. أما أطفال المكتومين فإنهم يُمنعون من الالتحاق بالمدارس بعد الصف التاسع. ومع مثل هذه القيود على العمل، وعدم وجود أي جامعة في منطقة الجزيرة، ومنع أبناء المكتومين من الالتحاق بالجامعات أصلاً، فإن التعليم العالي ليس خياراً البتة بالنسبة لعدد كبير من السكان الأكراد السوريين.10
إن لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل ولجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ولجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري ولجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية قد أعربت جميعهاً عن بواعث قلقها بشأن التمييز الذي يواجهه الأكراد المولودون في سوريا.11

3. المدافعون عن حقوق الإنسان الأكراد: التعذيب وإساءة المعاملة والمضايقة والمحاكمات الجائرة.
أ) المشاركون في مظاهرة الأطفال في يونيو/ حزيران 2003
في 25 يونيو/ حزيران 2003، تجمع مابين 100 إلى 200 شخص من الأطفال والبالغين خارج مبنى صندوق الأمم المتحدة للأطفال (يونيسف) في دمشق، حيث طالبو باحترام حقوق الأطفال الأكراد السوريين، ومنها الحق المعترف به من قبل الأمم المتحدة، وهو حق كل شخص في أن يكون له جنسية وفي تعلم لغته الخاصة. 12 وورد أن منظمي المظاهرة أعدوا بياناً لتسليمه إلى المسؤولين في منظمة يونيسف. وتضمن البيان توضيحاً للقيود المفروضة على تسجيل الأسماء الكردية والتمييز الذي يتعرض له الأطفال الأكراد في ظل النظام التربوي القائم. وقد عمدت الشرطة وقوات الأمن إلى فض المظاهرة السلمية، مما أسفر عن إصابة 20 شخصاً بجراح.

مظاهرة خارج مبنى منظمة يونيسف في دمشق، تدعو إلى الاعتراف بحقوق الأطفال الأكراد السوريين، يوليو/ تموز 2003
Private ©
وقُبض على سبعة متظاهرين، جميعهم رجال، واحتجزوا بمعزل عن العالم الخارجي. وورد أنهم تعرضوا للتعذيب لمدة 23 يوما في فرع الأمن في مركز شرطة المزة بدمشق قبل نقلهم إلى الجناح السياسي في "سجن عدرا" قرب دمشق، حيث احتجزوا في زنزانات انفرادية صغيرة وتعرضوا لمزيد من سوء المعاملة. وحرم الرجال السبعة من الاتصال بعائلاتهم ومحامييهم وأطبائهم طوال عدة أشهر. وفي أغسطس/ آب أو سبتمبر/ أيلول 2003، قيل إنهم مثلوا أمام محكمة أمن الدولة العليا وهم معصوبو الأعين ومن دون تمثيل قانوني. وقال أحد المعتقلين، وهو محمد مصطفى، أمام محكمة أمن الدولة العليا إن زنزانته الصغيرة في سجن عدرا لم تكن في الحقيقة سوى مرحاض وضع على حفرته غطاء.وشكى معتقل آخر إلى المحكمة من المعاملة السيئة التي تعرض لها في السجن، بينما قال ثالث إنه يعتزم رفع دعوى على سلطات السجن والمخابرات العامة بسبب التعذيب الذي عانى منه، والذي ظلت آثاره بادية على جسده بحسب ما ذكر. ولكن رئيس المحكمة رفض الشكاوى وأمر بإخلاء القاعة من المعتقلين ووضعهم في غرفة الاحتجاز التابعة للمحكمة. ولا يُعرف ما إذا كان قد أُجري تحقيق في شكاوى التعذيب. وفي 27 يونيو/ حزيران 2004 أُدين الرجال السبعة جميعاً بتهمة "الانتماء إلى منظمة غير مشروعة، ومحاولة فصل جزء من الأراضي السورية وضمه إلى دولة أجنبية"، وهي جرائم غالباً ما تُنسب إلى الأكراد السوريين لمشاركتهم في مظاهرات سلمية وغيرها من الأنشطة السلمية. وحُكم على كل من محمد مصطفى وشريف رمضان وخالد أحمد علي بالسجن مدة سنتين، بينما حُكم على أربعة أخرين – هم عمرو مراد وسلار صالح وحسام محمد أمين وحسين رمضان- بالسجن مدة سنة واحدة، ثم أُطلق سراحهم فوراً بعد احتساب المدة التي قضوها فعلاً رهن الاعتقال والتي سبقت المحاكمة. وورد أن محمد مصطفى وشريف رمضان وخالد أحمد علي لا يزالون يتعرضون لمعاملة قاسية ولاإنسانية ومهينة في سجن عدرا، ولا يزالون قيد الاعتقال في الحبس الانفرادي بمعزل عن العالم الخارجي. وربما يُسمح لأفراد عائلاتهم المباشربن بزيارتهم لمدة 30 دقيقة كل شهرين شريطة الحصول على إذن مسبق من دائرة الأمن السياسي. وتتم الزيارات بحضور أحد أفراد الأمن، ولا يُسمح باستخدام اللغة الكردية أثناء الزيارة. وورد أن كلاً من شريف رمضان وخالد أحمد علي محتجز في زنزانه مساحتها 1م X 1.5 م، بينما قيل إن مساحة زنزانة محمد مصطفى "المرحاض" لا تزيد على 80سم X 80سم. إن منظمة العفو الدولية تعتبر الرجال سجناء رأي، محتجزين لمجرد ممارسة التعبير السلمي عن آرائهم.13
ب) الطالب الذي التقط صوراً لمظاهرة الأطفال في يونيو/ حزيران 2003
مسعود حميد: طالب في كلية الصحافة بجامعة دمشق، قبض عليه أفراد قوات الأمن السياسي في 24 يوليو/ تموز 2003 بعد إرساله صوراً، كان قد التقطها للمظاهرة، إلى مواقع عديدة على الإنترنت، ومنها الموقع الكردي في ألمانيا (www.amude.com). وقد احتجز في الجناح السياسي لسجن عدرا. وفي 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2004، أدانته محكمة أمن الدولة العليا بتهمة الانتماء إلى "منظمة غير مشروعة، ومحاولة فصل جزء من الأراضي السورية وضمه إلى دولة أجنبية". وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات، وما زال محتجزاً في الحبس الإنفرادي بمعزل عن العالم الخارجي. وفي ديسمبر/ كانون الأول 2004 وردت أنباء تفيد بأنه بدأ إضراباً عن الطعام بعد محاكمته احتجاجاً على ظروف احتجازه. ومسعود حميد هو أحد الأشخاص العديدين الذين أُدينوا في سوريا في العام 2004 بسبب استخدام الانترنت، والذين تعتبرهم منظمة العفو الدولية جميعاً من سجناء الرأي.14
ج) المشاركون في مظاهرة اليوم العالمي لحقوق الإنسان
Private © مروان عثمان
في 10 ديسمبر/ كانون الأول 2002، شارك حسن صالح ومروان عثمان في مظاهرة سلمية احتفالاً بذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان خارج مبنى مجلس الشعب في دمشق. وقد طالب المتظاهرون الحكومة بالاعتراف بوجود القومية الكردية في إطار وحدة البلاد، وإزالة الحواجز المفروضة على اللغة الكردية والثقافة الكردية، وإطلاق سراح جميع السجناء السياسيين. وبعد خمسة أيام قُبض على الرجلين، وهما من الأعضاء القياديين في "حزب يكيتي الكردي" غير المشروع، وذلك عندما ذهبا لمقابلة وزير الداخلية في ذلك الوقت، الفريق علي حمود، كما طُلب منهما. وفي 20 ديسمبر/ كانون الأول 2002، ورد أنهما مثُلا أمام المحكمة العسكرية من دون تمثيل قانوني، حيث اتُهما "بالانتماء إلى منظمة غير مشروعة". وقد احتجزا في البداية في دائرة الأمن السياسي بدمشق حيث سُمح لأفراد عائلتيهما الأقربين بزيارتهما مرة كل شهر، وذلك بعد قضاء شهرين ونصف الشهر رهن الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي. وحُددت مدة الزيارة بنحو 30-15 دقيقة على أن تتم من خلف القضبان وبحضور أحد أفراد الأمن. وأثناء احتجازهما في دائرة الأمن السياسي، ورد أنهما تعرضا للضرب على أيدي أفراد الأمن، وحُرما من زيارة المحامين والأطباء فترة طويلة. وثمة شعور بالقلق بشكل خاص على صحة حسن صالح، البالغ من العمر 60 عاماً، لأنه كان يعاني من آلام في الصدر، ومحروماً من المعالجة الطبية.
وفي مارس/ آذار 2003، وبعد إضافة تهمة "التحريض على الصراع الطائفي" إلى التهمة الأولى، أحالت المحكمة العسكرية القضية إلى محكمة أمن الدولة العليا التي أضافت بدورها تهمة "محاولة فصل جزء من الأراضي السورية وضمه إلى أراضي دولة أخرى". وورد أنه لم يسمح لهما بالتحدث إلى المحامي إلا لفترة وجيزة للغاية، قيل إنها لم تزد على 4-3 دقائق، عبر شباك، بينما كانا في مركز الاعتقال التابع لمحكمة أمن الدولة العليا. وبعد احتجازهما لمدة سنة تقريباً، نُقلا إلى مركز اعتقال تابع للشرطة العسكرية، حيث ذُكر أنهما تعرضا لأشكال التعذيب الجسدي والنفسي، ومنها تعريتهم أمام أفراد الأمن والسجناء الآخرين. ثم أمر قاض عسكري بإيداعهما سجن عدرا، حيث وُضعا في حبس انفرادي لمدة ثلاثة أشهر تقريباً. وفي فبراير/ شباط 2004، أدانتهما محكمة أمن الدولة العليا بتهمة "محاولة فصل جزء من الأراضي السورية وضمه إلى دولة أجنبية". وحُكم عليهما بالسجن مدة ثلاثة سنوات، تم تخفيضها بأمر من رئيس المحكمة إلى 14 شهراً، وهي المدة التي كانا قد قضياها فعلاً في السجن، ثم أُطلق سراحهما في 24 فبراير/ شباط 2004. إن منظمة العفو الدولية تعتبر كلا الرجلين من سجناء الرأي.15
واعتقل مروان عثمان مرة أخرى، في مارس/ آذار 2004، في غمرة حملة الاعتقالات الجماعية للأكراد السوريين في شمال البلاد. وورد أنه أثناء وجوده في دائرة الأمن السياسي في القامشلي، تعرض للضرب على أيدي أفراد الأمن، وأُصيب في أسنانه وعينه. وبعد إطلاق سراحه في اليوم التالي، اضطر إلى إجراء عملية لإزالة سن مكسورة.
د) الأشخاص المشاركون في أنشطة ثقافية ولغوية
في الوقت الذي يبدو أن السلطات تسمح بتوزيع عدد قليل من المطبوعات والموسيقى باللغة الكردية، ولا سيما في الأرياف، فإن الذين يمارسون بعض الأنشطة الثقافية الكردية، ويروجون الأنشطة الثقافية واللغوية الكردية والمشاركون في هذه الأنشطة ظلوا يتعرضون لمخاطر المضايقة والاعتقال والتعذيب وإساءة المعاملة والسجن. ففي العام 2001، أنشأ حبيب إبراهيم نادياً ثقافياً في القامشلي لتعزيز الحوار الكردي- العربي. وخلال إحدى المحاضرات وصلت قوات الأمن إلى النادي وقامت بإغلاقه. وورد أنه قُبض على اثنين من أعضاء النادي وتعرضا للتعذيب وسوء المعاملة أثناء احتجازهما، كما ذُكر أنهما قضيا عدة ساعات محتجزين في مرحاض.
وفي حالة أخرى، احتُجز محمد حمو، وهو صاحب محل لبيع الكتب في حلب، في الفترة من 27 أغسطس/ آب إلى سبتمبر/ أيلول 2001، بسبب ضلوعه في توزيع أدبيات كردية. وقد أُطلق سراحه من دون توجيه تهمة له، ولكنه تلقى تهديداً بإغلاق محله مالم "يتعاون" مع السلطات.16
وفي 8 يناير/ كانون الثاني 2002، قُبض على إبراهيم نعسان في حلب بسبب توزيعه مواد ثقافية وتربوية باللغة الكردية. وذُكر أنه احتجز بمعزل عن العالم الخارجي لمدة لا تقل عن ستة أشهر في معتقل أمن الدولة، فرع كفر سوسة بدمشق، ثم حكمت عليه محكمة أمن الدولة العليا بالسجن ثلاث سنوات. وفي 20 أغسطس/ آب 2002 كتبت منظمة العفو الدولية رسالة إلى السلطات السورية حثتها فيها على إطلاق سراحه، ولكنها لم تتلق أي رد. وقد أُطلق سراحه عند انتهاء مدة حكمه في يناير/ كانون الثاني 2005.
وفي 30 أغسطس/ آب 2003 قُبض على خليل سليمان إثر تنظيمه حفلاً أُديت خلاله أغان كردية، احتفالاً بتخرج مجموعة من الطلبة. وقد وجهت له المحكمة العسكرية تهمة التحريض على البغضاء العنصرية – بيد أن التهمة أُسقطت فيما بعد، وأُطلق سراحه في 18 يناير/ كانون الثاني 2004.
وفي 8 مارس/ آذار 2004، قُبض على سبعة أكراد بسبب مشاركتهم في حفلات موسيقية بمناسبة اليوم العالمي للمرأة أُقيمت في الحسكة.17 ووردت أنباء عن إطلاق سراحهم بعد عدة أيام من اعتقالهم.

4. عمليات القتل غير القانونية المزعومة والوفيات الناجمة عن التعذيب وإساءة المعاملة في الحجز أثناء أحداث مارس/ آذار 2004 وبعدها.
أ) عمليات القتل غير القانونية المزعومة أثناء أحداث مارس/ آذار 2004.
خلال الأحداث التي بدأت في ستاد كرة قدم في القامشلي في 12 مارس/ آذار، لقي مالا يقل عن 36 شخصاً مصرعهم، جميعهم تقريباً من الأكراد، قُتلوا على ما يبدو نتيجةً لاستخدام القوة المميتة من قبل قوات الأمن. ولا يعرف ما إذا أُجري أي تحقيق في سلسلة الحوادث التي أدت إلى انتشار أعمال الشغب، أو في استخدام القوة المميتة على أيدي قوات الأمن، أو في عمليات الاعتقال الجماعية وحوادث التعذيب وإساءة المعاملة التي أعقبتها، أو في الأسباب الجذرية التي تكمن خلف تلك الأحداث.
وتشير أنباء غير رسمية إلى أن الترتيبات الأمنية في الستاد البلدي كانت غير كافية، وأن إطلاق الرصاص الحي من جانب قوات الأمن على الجمهور كان غير متناسب. إن الغياب الواضح، سواء في الستاد أو أثناء المظاهرات التي أعقبتها، للترتيبات الملائمة، بما فيها الوسائل غير المميتة لحفظ الأمن، ربما يكون قد أسهم في تصاعد العنف بهذه السرعة. وبموجب المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية، فإن الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين يجب أن يستخدموا وسائل غير عنيفة قبل اللجوء إلى استخدام الأسلحة النارية، كما يجب أن يعطوا تحذيراً واضحاً يعلنون فيه عزمهم على استخدام الأسلحة النارية، مع إعطاء الآخرين وقتاً كافياً لمراعاة التحذير. وتنص المبادئ على عدم جواز الاستخدام المميت للأسلحة النارية إلا إذا تعذر تفاديها تماماً من أجل حماية الأرواح.
ب) الوفيات الناجمة عن التعذيب وسوء المعاملة في الحجز
إن ظاهرة تفشي استخدام التعذيب في السجون ومراكز الاعتقال السورية موثقة بشكل جيد. فقد قامت منظمة العفو الدولية، على مر السنين، بتسجيل ما لا يقل عن 38 أسلوباً مختلفاً من أساليب التعذيب التي يستخدمها أفراد الأمن السوريون.18 كما وردت أنباء عن وقوع وفيات ناجمة عن التعذيب وسوء المعاملة في الحجز في العديد من الحالات، سواء كان المعتقلون سياسيين أو مجرمين عاديين مشتبهاً فيهم، وبغض النظر عن أصلهم العرقي أو جنسيتهم. بيد أنه حدثت زيادة كبيرة في عدد الوفيات بين صفوف المعتقلين الأكراد في الأسابيع والأشهر التي تلت أحداث مارس/ آذار 2004، والتي قيل إن سببها هو التعذيب وسوء المعاملة في الحجز. وكان من بين الأشخاص التسعة، الذين لقيوا حتفهم ووردت أسماؤهم إلى منظمة العفو الدولية في الأشهر الستة منذ مارس/ آذار 2004، خمسة من الأكراد. والأشخاص الخمسة الذين كانوا جميعاً محتجزين من دون تهم بمعزل عن العالم الخارجي هم: حسين حمو نعاسو، وعمره 23 عاماً، الذي قضى نحبه في 6 أبريل/ نيسان بعد تعرضه للتعذيب وحرمانه من المعالجة الطبية من مرض السكري بحسب ما ذكر؛ وفرهاد محمد علي، وعمره 19 عاماً، الذي توفي في 18 أبريل/ نيسان بعد تعرضه للتعذيب بحسب ما ورد؛ وأحمد حسين حسن (ويسمى أيضاً أحمد حسين حسين)، الذي توفي في 1 أو في 2 أغسطس/ آب في فرع المخابرات العسكرية في الحسكة، والذي دُفن من دون السماح لأحد برؤيته؛ وأحمد معمو كنجو، وعمره 37 عاماً، الذي توفي في منزله في 3 أغسطس/ آب نتيجة لتلف دماغي ناجم عن إصابات في الرأس من جراء تعرضه للضرب على أيدي أفراد دورية أمنية في رأس العين أثناء احتجازه في أبريل/ نيسان و مايو/ أيار؛ وحنان بكر ديكو، التي لقي حتفه في الحجز في الفترة بين 16 سبتمبر/ أيلول، وهو تاريخ القبض عليها من قبل أفراد المخابرات العسكرية في حلب و 22 سبتمبر/ أيلول، وهو التاريخ الذي تم فيه تسليم جثته إلى عائلته بحسب ما ورد. وذُكر أن آثار التعذيب ظهرت على جسده، كما ظهرت كدمات على عنقه وقدميه وظهره وإصابات في جمجمته. ولم يُعرف ما إذا أُجريت أي تحقيقات في أي من هذه الوفيات.19
وعلى حد علم منظمة العفو الدولية، فإنه لم تجر أي تحقيقات مستقلة في أي من حوادث الوفاة في الحجز، بما فيها تلك التي زُعم