Y E K Î T Îنشرة شهرية تصدرها اللجنة المركزيةRahmen: النضال من أجل :
-         رفع الاضطهاد عن كاهل الشعب الكردي في سوريا.
-         الحريات الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.
-          الحقوق القومية للشعب الكردي في سوريا وتثبيتها دستورياً.
 
لحزب يكيتي الكردي في سوريايكيتي

 

 


 


 

في هذا العدد

 

 


 

-       إعلان دمشق، بداية غير موفقة                             3

-       "إعلان دمشق وإرهاصاتها...                               6

-       إعلان دمشق سقط كردياً                                  10

-       لقاء مع المحامي فيصل بدر                                 13

-       ماذا بعد تقرير ميليس                                      18

-       ماذا يحدث في سوريا                                       21

-       الخصوصية الثقافية للشعب الكردي                       28

-       رسالة حول الهجرة                                         33

-       محافظ الحسكة مستمر في السياسات العنصرية             35

-       الحسكة أكثر المحافظات عطاء وأكثرها فقراً                          37

-       من رؤى امرأة كردية                                      43

 

 

 

 

 

 

 

لن ننسى شهــداءنـــا

 

الشهيدة فريدة أحمد

الشهيدة فريدة أحمد أحمد، امرأة كردية تنتمي إلى عائلة كردية وطنية تعتز بقوميتها الكردية المظلومة، وقد درست حتى المرحلة الابتدائية ومارست العمل في معمل للمصابيح الكهربائية، ومكان إقامتها كان في حي الأشرفية بمدينة حلب وبتاريخ 16 آذار 2004 وقف أبناء وبنات الشعب الكردي في سوريا خمس دقائق حداداً على شهداء حلبجه التي استخدم نظام صدام القنابل الكيميائية والغازات السامة ضد سكانها، ولكن قوات النظام السوري لم يرق لها أن يحتج الكرد على الظلم فقامت بإطلاق الرصاص الحي على المحتجين المسالمين مما أدى إلى إصابة واستشهاد فريدة عن عمر يناهز 38 عاماً.

ولقد تعرضت عائلة الشهيدة إلى المضايقات والملاحقة ولاسيما إخوتها، مصطفى وإدريس.

ستبقى ذكرى الشهيدة فريدة حافزة لجماهير شعبنا لمتابعة النضال الديمقراطي حتى إزالة الظلم عن كاهلها وضمان حقوقها القومية المشروعة.

 

 

 

 

 

 

 

إعلان دمشق بداية غير موفقة

مع إعادة إنتاج الإقصاء والاستئثار وتشويه الحقائق

 

لا نخفي بأننا من القوى التي تفاجأنا بصدور إعلان دمشق بالرغم من أننا كنا من المدعوين للحوار حول ما تضمنته مسودة الإعلان الذي تسلمنا نسخة منه ووعدنا بحوارات ونقاشات معمقة ومستفيضة حول مجمل المسائل المطروحة فيه، ليكون الإعلان مواكباً للتغييرات السريعة على الصعيد السوري، وأساساً صالحاً لمشروع وطني تلتف حوله جميع قوى المعارضة السورية الراغبة والساعية الى التغيير. لكن، يبدو أن الأخوة الذين تفردوا في إعداد مسودة الإعلان دون أن يمهدوا لذلك بأية مشاورات أو إعلان نوايا، أرادوا له أن يأتي أيضاً غير ناضج وغير مكتمل العناصر والمقومات ليضيف مزيداً من التعثر والإرباك على الجهود الرامية للوصول إلى مشروع وطني حقيقي للتغيير في سوريا.

فلا نجد أية حكمة أو مبرر لإقصاء العديد من القوى العربية والكردية – ونحن منها- عن حضور الاجتماعات التي تمخض عنها الإعلان، وهذه بداية غير طيبة، لانظن أنها ستخدم أجندة التغيير الفعلية، ولا نظن أيضاً أنه سيكون مجدياً ومفيداً وممكناًَ العمل مع قوى تفكر بعقلية التفرد والاستئثار والإقصاء منذ البداية، خاصة أنها مازالت ضعيفة وغير ذي شأن! فكيف لو كانت تمتلك ناصية القوة السياسية والجماهيرية؟! هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن إعلان دمشق، وبالصيغة التي خرج بها، لايتجاوز حدود إعلان المبادئ أو النوايا، يفتقد إلى أي أساس عملي يمكن أن تبنى عليه عملية التغيير، مع غياب آليات تنظيم القوى الموقعة عليه وآليات العمل المفضي إلى التغيير، والجميع يدرك بأن الشعب السوري بحاجة إلى أكثر من بيانات تطلق عبر وسائل الإعلام، إنه بحاجة إلى فعل سياسي وجماهيري منظم في هذه المرحلة الحساسة والحاسمة من تاريخ سوريا، فجاء الإعلان خالياً من أية إشارات عن برامج وخيارات عمل، وهو مايؤكد أن الموقعين عليه لم يريدوا له أن يكون أكثر من فقاعة إعلامية لا تقدم ولا تؤخر في معطيات الواقع، لأن الواضح أن أصحاب الإعلان لم يجدوا بعد في أنفسهم حوامل للتغيير، الأمر الذي يطرح بعض التساؤلات حول جدوى تسرع الأخوة في إصدار هذا الإعلان وبالصيغة التي خرج بها. ومن هذه التساؤلات: هل أن الموقعين على الإعلان أرادوا خلط الأوراق للحيلولة دون الوصول إلى مشروع وطني حقيقي للتغيير يحدد الأهداف بدقة، ويحدد الوسائل المؤدية لتلك الأهداف. وبالتالي أرادوا أن يخدموا أجندة النظام في هذه المرحلة التي يعاني فيها النظام المزيد من العزلة والضعف والإرباك، ولتجنبه مواجهة مشروع وطني يستقطب مختلف قوى الشعب السوري، ويوفر الأساس العملي للتغيير، ومن ثم إفراغ الساحة السورية من أي عمل معارض ضاغط ومؤثر، خاصة أن البعض من القوى الموقعة على الإعلان –الكردية منها والعربية- هي قريبة من النظام؟؟! أو أن هذه القوى باتت مقتنعة أن التغيير قادم لامحالة، وأنها، وإن كانت غير مستعدة لأن تساهم في عملية التغيير بنفسها فلامانع من أن تستعد لقطف ثماره، سواء كانت تراهن على النظام وإمكانية إقدامه على بعض الإصلاحات السياسية، أو كانت تراهن على المشاريع الخارجية، رغم أنها تقول بعدم الاستقواء بالخارج أو تعلن رفضها للمشاريع الخارجية؟

والأهم من كل ذلك هو أن الأخوة الموقعين على الإعلان لم يستطيعوا تجاوز فهم النظام الكثير من القضايا الوطنية الخطيرة والحساسة، وبالتحديد القضية الكردية، فجاء الإعلان مشوهاً لطبيعة القضية الكردية عبر صيغة مضللة تريد أن تزعم أنها تطرح شيئاً يخص الشعب الكردي، ولكنه في الحقيقة لايقول شيئاً يتجاوز الفهم الشوفيني العنصري لهذه القضية، فهو يكرس التعامل مع القضية الكردية كقضية حقوق مواطنة؛ أي حقوق الجنسية وبعض الحقوق الثقافية دون أن يقترب من جوهرها كقضية شعب يشكل القومية الثانية في البلاد، وفضية حقوق قومية متساوية، الأمر الذي يعني إقصاء الشعب الكردي بخصوصيته القومية عن المعادلة الوطنية، ومصادرة حقوقه تحت شعار المواطنة والفهم الأقلوي بالمعنى السياسي للوجود الكردي، وليس بالمعنى العددي؛ أي أننا ضيوف على الدولة السورية وهي عربية الأرض والهوية. ولا يعقل أن نكون ضيوفاً وشركاء في الوقت نفسه. هذا ما أراد أن يطرحه إعلان دمشق، وهذا ما تريد أن تسوقه بعض القوى الكردية التي تحاول أن تقنع الشعب الكردي بأن توقيعها على الإعلان بصيغته المشوهة للقضية الكردية إنما هو مجرد تكتيك وفتي يحاول أن يراعي الظروف والمعطيات، وأنها ستكون غير معنية عندما تستجد معطيات جديدة تبث فيها بعض القوة والمنعة تنتشلها من شعور العجز والضعف، وستسعى لتأكيد الصيغة التي يؤمن بها الشعب الكردي. هذا ما تسوقه هذه القوى الكردية لتبرير تنازلاتها التي لم تكن مجبرة على القبول بها تحت هذه الظروف مهما كانت المبررات والأعذار، لأن العذر في هذه الحالات أقبح من الذنب.. إذ ليس من حق أحد أن يساوم على قضية هي قضية شعب، وليس من حق أحد أن يعرض هذه القضية في بازار المساومات الرخيصة.

وعلى أية حال نأمل أن يستطيع الأخوة أصحاب إعلان دمشق أن يرمموا ما أحدثه هذا الإعلان من تداعيات سلبية، وأن يعيدوا النظر في تصرفهم غير المقنع حتى نستطيع أن نضع معاً أساساً صلباً لمعارضة سورية حقيقية تستطيع أن تكون فاعلة ومؤثرة في مجرى التطورات الراهنة، وتكون رقماً يعول عليه في التغيير عبر الخيارات الوطنية.


 

إعلان دمشق وإرهاصات موروث الماضي

محاولة لاختزال قضية شعب...

 

د. شيراز مامو 

عند الخوض في أية قضية وطنية حيوية، لابد من الإشارة والتذكير بالعقود الطويلة التي حكم فيها حزب البعث هذا البلد، حين استولى على كل المفاصل الأساسية للدولة والمجتمع (السياسية والاجتماعية والثقافية والإدارية وحتى العلمية...)؛ إذ قام باختزال الوطن وكل ما ينتمي إلى مؤسسات الدولة، في حزب البعث وأدواته القمعية، حتى اختلطت الكثير من المفاهيم إلى درجة التشوش في تفسير ما هو وطني وما هو يمثل النظام في ظل الدولة الأمنية، حتى أصبحت الوطنية تقاس بمدى ولاء المواطن لذاك النظام وحزبه وأجهزته القمعية، وعلى مدى أكثر من أربعة عقود من الاستلاب الفكري والسياسي، عمل هذا النظام التوتاليتاري على إلغاء الممارسة الديمقراطية من حياة المجتمع السوري التي بدأت بواكيرها الأولى في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات من القرن الماضي بعد الخروج الفرنسي من سوريا، وقضى بشكل شبه نهائي على التفكير الليبرالي الحر، حتى باتت عملية التفكير أو التعبير عن الرأي خروجاً عن الثوابت "الوطنية". وكانت المقصود دوماً ثوابت النظام؛ تلك الثوابت التي عممت في المجتمع السوري حتى تحولت مؤسسات الدولة برمتها إلى مجموعة هياكل ثابتة، خاضعة لنصوص مقدسة غير خاضعة للتأويل بحكم قانون الطوارئ.

وفي مثل هكذا مناخ كان من الصعب جداً الحديث عن تنظيم سياسي ديمقراطي ليبرالي، أو فعالية اجتماعية حقوقية، باستثناء بعض المجموعات السياسية مثل العمل الشيوعي الذي قُمِع في بداياته، إضافة إلى بعض الفعاليات الفردية المتمثلة بأشخاص. وتحت وطأة الممارسة القمعية، ومصادرة الحياة السياسية تمت الاستمالة القسرية لكل الحراك السياسي السوري إلى جانب النظام وممارساته في إدارة الدولة، حتى وصل الأمر إلى ضرورة مباركة النظام في كل خطوة يخطوها، بغض النظر عن طبيعة الموقف أو مصداقيته. فعلى سبيل المثال: استنفرت كل الفعاليات السياسية المحسوبة على النظام أو التي تجد نفسها خارج إطاره، استنفرت مع النظام للدفاع  عن النظام العراقي قبل سقوطه إبان عملية تحرير العراق، تحت شعارات وعناوين أدرجت في سياقات توليفية توفيقية بذريعة ضرورة مواجهة المشاريع الأمريكية في المنطقة، متناسين آلام العقود الطويلة التي مورست بحق الطائفة الشيعية والشعب الكردي من قبل أبشع نظام في التاريخ على الإطلاق، وكأن ضحايا ذلك النظام كانت مجرد أرقام لا أكثر، كما أن المواقف من الشعب الكردي وتضحياته تأتي في سياق الانسجام الكامل مع مواقف النظام من هذه النضالات، بل والأنكى من ذلك تكون بعض المواقف التكتيكية للنظام أكثر تقدماً لجملة مواقف بعض القوى، ومن ضمنها بعض القوى المحسوبة على الحركة الكردية التي لا تملك حتى الآن موقفاً واضحاً من الفعاليات النضالية للشعب الكردي بقيادة "يكيتي"، ونستثني هنا الموقف المشرف لـ"آزادي" المساند والداعم للعملية النضالية في مختلف المواقع، لذلك نجد أن الطروحات بمجملها –باستثناء طروحات المناضل أنور البني الأخيرة- تأتي وفق الخط الموازي لمفهوم النظام من القضايا الوطنية عموماً والقضية الكردية خصوصاً.

إذن، يمكن القول أن المناخ السياسي السائد حتى هذه اللحظة لم يسمح بمناقشة المسائل الوطنية بشكل جاد، بسبب الخلل البنيوي في منظومة التفكير الموروثة من تراكم نفايات العهود السابقة، وبقيت الطروحات قاصرة لأنها لم تأخذ الوقت الكافي للتناول والحوار من جانب القوى السياسية، حتى تستكمل مناقشة الجوانب والمفاصل الأساسية فيها بالشكل الذي يمكن التعبير به عن خلفية المفردات الديمغرافية لواقع الدولة السورية.

وبقراءة سريعة لما سمي بإعلان دمشق تستوقفنا الكثير من المفردات، وخاصة الفقرة المتعلقة بالشأن الكردي؛ حيث نجد فيها وبوضوح هيمنة الذهنية القوموية السائدة والموروثة من فكر البعث لذلك لانجد في البيان أية إشارة إلى المنظومة الفكرية المتطرفة لحزب البعث التي كانت السبب الأساسي لما فيه سوريا اليوم، واكتفت بوصف النظام على أنه "شمولي وفئوي". وبقدر مايشير هذا الوصف إلى فئة معينة من مكونات الشعب السوري، يراد منه في نفس الوقت الابتعاد عن وصف حقيقة النظام الفكرية، بل أكثر من ذلك يدعو البيان البعثيين إلى المشاركة في عملية التغيير دون التطرق إلى الخلفية الفكرية لهذا الحزب، أو الاشارة إلى مشروعه القومي الفاشل الذي أودى بالبلاد إلى الوضع المتردي الحالي.

وحول الفقرة المتعلقة بحقوق الأقليات يقول البيان: (....واحترام الدولة لتلك الحقوق ورعايتها، في إطار الدستور وتحت سقف القانون)  إذا كانت هذه الحقوق في إطار الدستور فلماذا الإشارة إلى كلمة "تحت سقف القانون"، والإشارة هنا لتحجيم الحق وفق القوانين التي ستسنها الأغلبية فيما بعد.

وفي الشأن الكردي يقول البيان: (إيجاد حل ديمقراطي عادل للقضية الكردية في سوريا، بما يضمن المساواة التامة للمواطنين الأكراد السوريين مع بقية المواطنين من حيث حقوق الجنسية والثقافة وتعلم اللغة الكردية وبقية الحقوق الدستورية والسياسية والاجتماعية والقانونية، على قاعدة وحدة سوريا أرضاً وشعباً، ولابد من إعادة الجنسية وحقوق المواطنة للذين حرموا منها، وتسوية هذا الملف كلياً.) وهنا تأتي أهمية قراءة مفردات هذه الفقرة بدقة، فمسألة إيجاد حل ديمقراطي عادل للقضية الكردية طرح إيجابي من حيث المبدأ، ويمكن البحث في الحلول الديمقراطية، أما أن يذهب الاعلان إلى تفسير شكل هذه الحلول لتنتهي في خانة حقوق المواطنين "الأكراد" مع بقية المواطنين، فهذا إلغاء لحقيقة المفهوم السياسي لمصطلح الشعب الكردي، ويلغي البعد السياسي للقضية برمتها، لتبقى حقوق "المواطنين" الكرد في حق التعلم وإعادة الجنسية، إضافة إلى التذكير الدائم بوحدة سوريا "أرضاً وشعباً"، وهذا التذكير ماهو في الحقيقة إلا إعادة مكررة للتهمة الموجهة من قبل النظام إلى بعض أطراف الحركة السياسية الكردية في سوريا! والغريب في الأمر أن بعض التنظيمات الوطنية الكردية ارتضت لنفسها أن توقع على مثل هذا الإعلان، وهي بذلك خرجت عن إطار صلاحياتها في الممارسة السياسية؛ ففي الحياة الحزبية يوجد ما هو ملك للحزب –كأداة نضالية-  برامج سياسية مختلفة، معلنة وغير معلنة، يحركها وفق منظومة عمليات ممارساتية على الساحة التي يعمل فيها هذا الحزب، بهدف الوصول إلى الهدف الاستراتيجي، الذي استمد منه مشروعية وجوده أصلاً، أما أن يقوم بإلغاء الهدف فهو ينسف بذلك مشروعية وجوده كحزب. ومهما تكن الاجتهادات في حقل الممارسة السياسية لايجوز ولايمكن الاجتهاد في موجودية القضية الأساسية، والقضية الكردية في سوريا ليست بدعة حزبية حتى يمكن المساومة عليها من جانب هذا الطرف أو ذاك. وعلى كل من يجهل أو يتجاهل حقيقة وجود الشعب الكردي على أرضه التاريخية في هذا الجزء من كردستان، عليه أن يعي  أن القضية الكردية لايمكن اختزالها في بيان أو إعلان في إطار صفقات حزبية رخيصة،ولن يكتب لها الحياة في الواقع السياسي الكردي، ويبدو أن الموقعين على الإعلان مازالوا يعيشون مناخات العقود السابقة من القرن الماضي التي أتينا على ذكرها، ولم يدركوا حتى الآن حجم المتغيرات الدولية والإقليمية من حولهم.

 


 

إعلان دمشق،  سقط كردياً

سوار برو

يوماً بعد يوم تزداد مخاوف النظام نتيجة الظروف الصعبة التي يمر بها، خاصة بعد فقدانه معظم حلفائه من العرب والدوليين. وكرد فعل على هذه المخاوف بدأ محاولته بنقل المعركة إلى الداخل ضد قوى المعارضة تارة، وافتعالها فيما بينهم تارة أخرى للقفز فوق الاستحقاقات المرحلية الملحة، كل ذلك بدل البحث عن لغة حضارية للحوار. فما كان من النظام إلا أن قام بمنع أي شكل من أشكال التعبير المستقل لقطع الطريق على أية مبادرات أو برامج إصلاحية جدية، مما أدى إلى تعميق الأزمة الوطنية، وكان أن أعقب ذلك حملات التخوين والتهديد والاعتقالات العشوائية من جديد. وإزاء هذه التحديات والمآزق والإخفاقات المتتالية بدا عجز المعارضة ولافاعليتها كمعادل مواز في الضعف للنظام الاستبدادي وذلك لعدم قدرتها هي الأخرى على القيام بخلق التوازن السياسي بين مكونات المجتمع السوري. وهذا ما بدا جلياً في "إعلان دمشق" خاصة فيما يتعلق بالبند الذي يشير إلى القضية الكردية في سوريا، والذي ينص على "إيجاد حل ديمقراطي عادل للقضية الكردية في سوريا بما يضمن المساواة التامة للمواطنين الأكراد السوريين مع بقية المواطنين من حيث حقوق الجنسية والثقافة وتعلم اللعة القومية..." واختزالها بقضية المواطنة فقط.

ومن الموقعين على الإعلان –وللأسف- مجموع قوى التحالف الكردي والجبهة الكردية عدا حزب آزادي الذي امتنع عن التوقيع احتجاجاً على هذا التقزيم للقضية الكردية، وإن منحوا أنفسهم حق تفسير مفهوم القضية الكردية في سوريا من قضية شعب يعيش على أرضه التاريخية باعتباره ثاني قومية في البلاد إلى قضية أقلية لها حق التمتع بحقوق المواطنة دون التطرق إلى الخصوصية القومية لهذا الشعب العريق. إنها في الحقيقة رؤية قاصرة من بعض القوى والشخصيات العربية التي تتباهى بقوميتها وعروبتها من جهة، وترفض حق القوميات الأخرى في التعايش معها بكامل حقوقها في إطار وحدة البلاد. وهذا التفسير القاصر نابع من الموروث القومي البعثي الكامن في لاوعي هؤلاء، ويقابل هذا التنازل المشين من قبل القوى الكردية الموقعة على الإعلان والتي لازالت تعيش رهاباتها، بل تسعى إلى العودة بنا إلى خطاب البعض قبل الثمانينات على أن القضية الكردية هي قضية أقلية وليست قضية شعب، مع احترامنا وتقديرنا للقوى والشخصيات العربية والكردية التي دفعت سنين طويلة من عمرها خلف القضبان دفاعاً عن هذه القضية المبدئية إلى جانب مواقفها الوطنية الأخرى، ثم لماذا الارتداد والتراجع عن البنود التي تم الاتفاق عليها في عدة مناسبات، منها على سبيل المثال: أثناء الانتفاضة الكردية والتي توجت ببيان قامشلي الذي وقع عليه معظم القوى العربية والكردية والذي ينص على "أن القضية الكردية قضية وطنية بامتياز" دون اختزال أو تجزيء. وتكرر ذلك في بيان لجنة التنسيق الوطني بين كل هذه القوى مجتمعة، والمتضمن بند "إيجاد حل ديمقراطي للمسألة الكردية" دون مواربة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا هذا التراجع مما اتفق عليه سابقاً؟ وهل المسألة هي قضية مبدأ لدى هؤلاء أم أنها خاضعة للتلاعب بين الحين والآخر عندما يتم الخضوع للقوى التي لايتعدى خطابها سقف السلطة، بل تبحث لنفسها عن موطئ قدم في هذا النظام مع شيء في التعديل الذي لا يمس الجوهر بشيء؟ ثم بأي حق هذه القوى "الديمقراطية" تقصي بعض القوى العربية والكردية الفاعلة والتي لها حضورها بين الجماهير في الشارع الكردي السوري –كحزب يكيتيي الكردي- عن المشاركة في إعداد هذا الإعلان الذي يعد بمثابة وثيقة وطنية قد تحضر لمؤتمر وطني شامل يضم حتى البعث؟ أي "فيتو" استخدم كي يحرر مثل هذا البند الذي يمس قضية غاية في الأهمية والأساسية والتي تعتبر بنظرنا المعيار لمدى التحول الديمقراطي والوطني الحقيقي.

إن الوحدة الوطنية المنشودة تفترض التفاهم بين كافة القوى والمكونات وفق آلية تؤسس على قاعدة اعتراف الجميع بالجميع من خلال البرامج الخاصة، واحترام خصوصية كل طرف وذلك بالالتزام بمبادئ وقواعد عمل تضمن للجميع حقوقهم رغم الاختلاف وفق مبدأ الوحدة في التنوع، وتحت سقف الوطن –وليس النظام- لتمكين القدرة على الوصول لمستويات أرقى في التعامل وعلى أسس ثابتة تلزم الجميع لا أن يقصي بعضنا بعضاً لأن نقل المعركة إلى داخل المعارضة نفسها هي هدية مجانية نقدمها للنظام الذي يراهن أصلاً على هشاشة المعارضة وغيابها عن ساحة العمل السياسي والميداني، وافتقارها للشارع باستثناء القوى الكردية التي تعتبر الممثل الشرعي الوحيد للشعب الكردي في سوريا، والتي أثبتت أحداث آذار للجميع أنها تملك الرصيد الأقوى في الشارع السوري. ويبدو أن البعض من الأخوة المحسوبين على المعارضة العربية قد تناسوا هذا الدور المتنامي للشعب الكردي وقواه السياسية الحقيقية، وأن أي إعلان أو مشروع مهما كان وأياً كان مصدره، ما لم يتناول القضية الكردية في سوريا كقضية وطنية تخص شعباً يعيش على أرضه التاريخية سيسقط كردياً، إن لم نقل وطنيا، مهما تعددت وتنوعت التواقيع، وليس أمام أصحاب إعلان دمشق سوى إعادة النظر فيما يخص هذا البند تحديداً، وإشراك كل القوى الوطنية والديمقراطية المعارضة على الساحة السورية في إعداد الإعلان لتشكل بذلك قوى جدية ضاغطة ونواة وحدة وطنية حقيقية بعيدة عن الإقصاء والإلغاء لتحقق التغيير والإصلاح الحقيقي المنشود من خلال معارضة وطنية جدية واضحة وشفافة في طرحها وبرامجها دون التلاعب بالألفاظ وهدر الحقوق.

 


 

المحامي فيصل بدر*:

تم استبعاد حزبنا من النقاشات التي أدت إلى "إعلان دمشق"

سأله: سيروان حجي بركو